الشريف المرتضى

397

تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل )

وذكر قتادة قال : بايع رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أصحابه على السمع والطاعة فيما استطاعوا . وهذا يدلّ كلّ منصف على أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم واتباعه لم يلزموا العباد الطاعة إلّا فيما استطاعوا ، وكيف يجوز على أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين أن يكلّف عباده ما لا يطيقون ، وأن يلزمهم ما لا يجدون . وروي عن النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلم أنّه قال : « أول ما تبيّن من ابن آدم بطنه ، فمن استطاع أن لا يدخل بطنه إلّا طيبا فليفعل » . وقال صلى اللّه عليه وآله وسلم : « من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل » فلم يوجب على أحد شيئا إلّا بعد الاستطاعة . وقال صلى اللّه عليه وآله وسلم : « من استطاع منكم أن يقي وجهه حرّ النار ولو بشقّ تمرة فليفعل » . فلم يرغبهم إلّا فيما يستطيعون . وروي عن ابن عباس قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : ألا أنبّئكم بأعزّ الناس ؟ قالوا : بلى يا رسول اللّه . قال : الذي يعفو إذا قدر ؛ فبيّن أنّه إنّما يكون العفو إذا قدر العبد وإذا لم يقدر فلا يكون العفو وقد قال اللّه تعالى : فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا « 1 » وقال : فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ « 2 » وقال : خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ « 3 » فعلمنا أنّه كان يقدر على أن يعاقب ، فأمره اللّه لذلك بالعفو ، ولا يجوز أن يعفو عمّا لا يقدر له على مضرّة ولا على منفعة . وروي عنه أنّه قال : « من كظم غيظا وهو قادر على إمضائه ملأ اللّه قلبه يوم القيامة رضى » . وروي عن ابن عباس في قوله : وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ « 4 » قال : وهم مستطيعون في دار الدنيا . وروي عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنّه قال : « يسّروا ولا تعسّروا وأسكنوا ولا تنفّروا ، خير

--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآية : 109 . ( 2 ) سورة المائدة ، الآية : 13 . ( 3 ) سورة الأعراف ، الآية : 199 . ( 4 ) سورة القلم ، الآية : 43 .